عبد الرحمن بن اسماعيل بن ابراهيم ( أبي شامة المقدسي / أبي شامة الدمشقي )
112
المرشد الوجيز إلى علوم تتعلق بالكتاب العزيز
وصرح أبو جعفر الطبري والأكثرون من بعده على أنه حرف منها . وسننقل من كلام كل منهم ما دل على ما نسبناه إليه : ومال الشيخ الشاطبي إلى قول القاضي فيما جمعه أبو بكر ، وإلى قول الطبري فيما جمعه عثمان رضي اللّه عنهما ، ودل على ذلك أبياته المتقدمة ، والحق أن يلخص الأمر في ذلك فيقال : المجموع في المصحف هو المتفق على إنزاله المقطوع به ، وهو ما كتب بأمر النبي صلى اللّه عليه وسلّم ، أو ثبت عنه أنه قرأ به أو أقرأ غيره به . وما اختلفت فيه المصاحف حذفا وإثباتا ، نحو تَحْتَهَا [ التوبة : 100 ] ، هُوَ الْغَنِيُّ [ الحديد : 24 ] ، فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ [ الشورى : 30 ] فمحمول على أنه نزل بالأمرين ، وأمر النبي صلى اللّه عليه وسلّم بكتابته على الصورتين لشخصين أو في مجلسين ، أو أعلم بهما شخصا واحدا وأمره بإثباتهما . وأما ما لم يرسم فهو مما كان جوّز به القراءة ، وأذن فيه ، ولما أنزل ما لم يكن بذلك اللفظ خير بين تلك الألفاظ ، توسعة على الناس وتسهيلا عليهم ، فلما أفضى ذلك إلى ما نقل من الاختلاف والتكثير اختار الصحابة رضي اللّه عنهم الاقتصار على اللفظ المنزل المأذون في كتابته ، وترك الباقي للخوف من غائلته ، فالمهجور هو ما لم يثبت إنزاله ، بل هو من الضرب المأذون فيه بحسب ما خفّ وجرى على ألسنتهم . قال الإمام أبو جعفر الطبري « 1 » : « الأمة أمرت بحفظ القرآن ، وخيرت في قراءته وحفظه بأي تلك الأحرف السبعة شاءت . كما أمرت ، إذا هي حنثت في يمين وهي موسرة ، أن تكفر بأي الكفارات الثلاث شاءت : إما بعتق أو إطعام أو كسوة . فلو أجمع جميعها على التكفير بواحدة من الكفارات الثلاث دون حظرها التكفير فيها بأي الثلاث شاء المكفر ، كانت مصيبة حكم اللّه مؤيدة في ذلك الواجب عليها من حق اللّه ؛ فكذلك الأمة أمرت بحفظ القرآن ، وخيّرت في قراءته بأي الأحرف السبعة شاءت : فرأت - لعلة من العلل أوجبت عليها الثبات على حرف واحد - قراءته بحرف واحد ، ورفض القراءة بالأحرف الستة الباقية ، ولم تحظر قراءته بجميع حروفه على قارئه بما أذن في قراءته به » . ثم ساق الكلام إلى أن قال : « فحملهم - يعني عثمان رضي اللّه عنه - على حرف واحد ، وجمعهم على مصحف واحد ، وحرق ما عدا المصحف الذي جمعهم عليه ، فاستوسقت له الأمة
--> ( 1 ) انظر تفسير الطبري 1 / 58 - 64 .